البغدادي

357

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وقال أبو محمد الأعرابيّ : هي ذات القرطين ؛ لدرّتين كأنّهما بيضتا نعامة أو حمامة . وأراد بقوله : حول قبر أبيهم ، أنّهم ملوك ذوو حاضرة ومستقرّ ، ليسوا أصحاب رحلة وانتجاع . سئل الأصمعيّ بأنّه ما أراد حسان به « 1 » ، وأي مدح لهم في كونهم عند قبر أبيهم ؟ فقال : إنّهم ملوك حلول في موضع واحد ، وهم أهل مدر وليسوا بأهل عمد . وقال غيره : معناه أنّهم آمنون لا يبرحون ولا يخافون كما تخاف العرب ، وهم مخصبون لا ينتجعون . قال السيّد المرتضى في « أماليه « 2 » » : هذا من الاختصار الذي ليس فيه حذف . أراد أنّهم أعزّاء مقيمون بدار مملكتهم ، لا ينتجعون كالأعراب . فاختصر هذا المبسوط في قوله : حول قبر أبيهم . قال : والاختصار غير الحذف ؛ وقوم يظنون أنّهما واحد ، وليس كذلك ، لأنّ الحذف يتعلّق بالألفاظ : وهو أن تأتي بلفظ يقتضي غيره ، ويتعلّق به ، ولا يستقلّ بنفسه ويكون في الموجود دلالة على المحذوف ، فيقتصر عليه طلبا للاختصار . والاختصار يرجع إلى المعاني : وهو أن تأتي بلفظ مفيد لمعان كثيرة لو عبّر عنها بغيره لاحتيج إلى أكثر من ذلك اللفظ . فلا حذف إلّا وهو اختصار ، وليس كلّ اختصار حذفا . انتهى كلامه . وأدرج ابن رشيق في « العمدة » هذا النوع في باب الإشارة « 3 » ، قال : والإشارة من غرائب الشعر وملحه ، وبلاغة عجيبة تدلّ على بعد المرمى وفرط القدرة ؛ وليس يأتي بها إلّا الشاعر المبرّز ، والحاذق الماهر ؛ وهي في كلّ نوع من الكلام لمحة دالّة ، واختصار ، وتلويح يعرف مجملا ومعناه بعيد من ظاهر لفظه . وقوله : « يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم الخ » ، بالبناء للمفعول أي : يتردّد إليهم ؛ من غشيه : إذا جاءه . وهرّ الكلب يهرّ ، من باب ضرب ، هريرا : إذا صوّت ، وهو دون النّباح . يعني أنّ منازلهم لا تخلو من الأضياف والفقراء ، فكلابهم

--> ( 1 ) في حاشية طبعة هارون 4 / 386 : " سئل بكذا ، أي : عن كذا ، من قوله تعالى : " سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ " . ( 2 ) أمالي المرتضى 2 / 74 . ( 3 ) العمدة في محاسن الشعر 1 / 302 .